القرطبي
177
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ) فيه سبع مسائل : الأولى - اختلف في تأويل قوله : " لذكري " فقيل : يحتمل أن يريد لتذكرني فيها ، أو يريد لأذكرك بالمدح في عليين بها ، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول . وقيل : المعنى ، أي حافظ بعد التوحيد على الصلاة . وهذا تنبيه على عظم قدر الصلاة إذ هي تضرع إلى الله تعالى ، وقيام بين يديه ، وعلى هذا فالصلاة هي الذكر . وقد سمى الله تعالى الصلاة ذكرا في قوله : " فاسعوا إلى ذكر الله " ( 1 ) [ الجمعة : 9 ] . وقيل : المراد إذا نسيت فتذكرت فصل كما في الخبر ( فليصلها إذا ذكرها ) . أي لا تسقط الصلاة بالنسيان . الثانية - روى مالك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل يقول ( أقم الصلاة لذكري ) ) . وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث حجاج بن حجاج ( 2 ) - وهو حجاج الأول الذي روى عنه يزيد بن زريع - قال حدثنا قتادة عن أنس بن مالك [ رضي الله عنه ( 3 ) ] قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يرقد عن الصلاة ويغفل عنها قال : ( كفارتها أن يصليها إذا ذكرها ) تابعه إبراهيم بن طهمان عن حجاج ، وكذا يروي همام بن يحيى عن قتادة . وروى الدارقطني عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ( 3 ) ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها ) فقوله : ( فليصلها إذا ذكرها ) دليل على وجوب القضاء على النائم والغافل ، كثرت الصلاة أو قلت ، وهو مذهب عامة العلماء وقد حكى خلاف شاذ لا يعتد به ، لأنه مخالف لنص الحديث عن بعض الناس فيما زاد على خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء . قلت : أمر الله تعالى بإقامة الصلاة ، ونص على أوقات معينة ، فقال : " أقم الصلاة لدلوك الشمس " ( 4 ) الآية وغيرها من الآي . ومن أقام بالليل ما أمر بإقامته بالنهار ، أو بالعكس لم يكن فعله مطابقا لما أمر به ، ولا ثواب له على فعله وهو عاص ، وعلى هذا الحد كان لا يجب عليه قضاء ما فات وقته . ولولا قوله عليه الصلاة والسلام : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) لم ينتفع أحد بصلاة وقعت في غير وقتها ، وبهذا الاعتبار كان قضاء لا أداء ، لان القضاء بأمر متجدد وليس بالامر الأول .
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 97 فما بعد . ( 2 ) في ج وط وك وى . ابن أبي الحجاج وما أثبتناه في الأصل هو ما عليه التهذيب . ( 3 ) من ج وك . ( 4 ) راجع ج 10 ص 302 فما بعد .